أحمد بن محمد القسطلاني

256

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

( حتى يقبض العلم ) بموت العلماء وكثرة الجهلاء ( وتكثر الزلازل ) جمع ، زلزلة ، وهي حركة الأرض واضطرابها ، حتى ربما يسقط البناء القائم عليها ( ويتقارب الزمان ) . فتكون كما في الترمذي ، من حديث أنس مرفوعًا : السنة كالشهر ، والشهر كالجمعة ، والجمعة كاليوم ، واليوم كالساعة ، والساعة كالضرمة بالنار . أي : كزمان اتقاد الضرمة . وهي ما توقد به النار أولاً : كالقضب والكبريت ، أو يحمل ذلك : على قلة بركة الزمان ، وذهاب فائدته ، أو : على أن الناس ، لكثرة اهتمامهم بما دهمهم من النوازل والشدائد ، وشغل قلوبهم بالفتن العظام ، لا يدرون كيف تنقضي أيامهم ولياليهم . فإن قلت : العرب تستعمل قصر الأيام والليالي في المسرات ، وطولها في المكاره . أجيب : بأن المعنى الذي يذهبون إليه في القصر والطول ، مفارق للمعنى الذي ذهب إليه هنا ، فإن ذلك راجع إلى تمني الإطالة للرخاء ، أو إلى تمني القصر للشدة . والذي ذهب إليه ثم راجع إلى زوال الإحساس بما يمر عليهم من الزمان ، لشدة ما هم فيه ، وذلك أيضًا صحيح . نعم ، حمله الخطابي على زمان المهدي ، لوقوع الأمن في الأرض ، فيُستَلذّ العيش عند ذلك ، لانبساط عدله ، فتستقصر مدته ، لأنهم يستقصرون مدة أيام الرخاء ، وإن طالت . ويستطيلون أيام الشدة ، وإن قصرت . وتعقبه الكرماني : بأنه لا يناسب أخواته من ظهور الفتن ، وكثرة الهرج ، وغيرهما ، قال في الفتح : وإنما احتاج الخطابي إلى تأويله بما ذكر لأنه لم يقع نقص في زمانه ، وإلا فالذي تضمنه الحديث قد وجد في زماننا هذا ، فإنا نجد من سرعة مر الأيام ما لم نكن نجده في العصر الذي قبل عصرنا هذا ، وإن لم يكن هناك عيش مستلذ . والحق أن المراد نزع البركة من كل شيء حتى من الزمان ، وذلك من علامة قرب الساعة . وحمله بعضهم على تقارب الليل والنهار في عدم ازدياد الساعات ، وانتقاصها . بأن يتساويا : طولاً وقصرًا . قال أهل الهيئة : تنطبق دائرة منطقة البروج على دائرة معدل النهار ، فحينئذٍ يلزم تساويهما ضرورة . ( وتظهر الفتن ) أي : تكثر وتُشْتَهَر ( ويكثر الهرج ) بفتح الهاء وإسكان الراء وبالجيم ( - وهو القتل القتل - ) مرتين ، وهو صريح في أن تفسير الهرج مرفوع ، ولا يعارض ذلك بمجيئه في رواية أخرى موقوفًا . وقد سبق الحديث في : كتاب العلم ، من طريق سالم بن عبد الله بن عمر ، سمعت أبا هريرة في آخرة قيل يا رسول الله ! وما الهرج ؟ فقال : هكذا ، بيده ، فحرفها كأنه يريد القتل ، فيجمع بأنه جمع بين الإشارة والنطق ، فحفص بعض الرواة ما لم يحفظ بعض . ( حتى يكثر فيكم المال ) لقلة الرجال ، وقلة الرغبات ، وقصر الآمال للعلم بقرب الساعة ( فيفيض ) بفتح حرف المضارعة وبالفاء والضاد المعجمة والرفع ، خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو يفيض ، ولأبي ذر : فيفيض ، بالنصب عطفًا على : يكثر ، وهو غاية ، لكثرة الهرج ، أو : معطوف على : ويكثر ، بإسقاط العاطف . كالتحيات المباركات ، أي : والمباركات . ويفيض استعارة من : فيض الماء لكثرته ، كقوله : شكوت وما الشكوى لمثلي عادة . . . ولكن تفيض الكأس عند امتلائها يقال : فاض الماء يفيض إذا كثر حتى سال على ضفة الوادي ، أي : جانبه ، وأفاض الرجل إناءه ، أي : ملأه حتى فاض . والمعنى : يفيض المال حتى يكثر ، فيفضل منه بأيدي مالكيه ما لا حاجة لهم به . وقيل : بل ينتشر في الناس ويعمهم . 1037 - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ قَالَ : حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : " اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِي شَامِنَا وَفِي يَمَنِنَا . قَالَ : قَالُوا : وَفِي نَجْدِنَا . قَالَ : قَال : هُنَاكَ الزَّلاَزِلُ وَالْفِتَنُ ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ " . [ الحديث 1037 - طرفه في : 7094 ] . وبه قال : ( حدّثنا ) بالجمع ، ولأبي ذر في نسخة : حدّثني ( محمد بن المثنى ) العنزي الزمن البصري ( قال : حدّثنا حسين بن الحسن ) بتصغير الأول مع التنكير ، ابن يسار ، ضد اليمين ، البصري ( قال : حدّثنا ابن عون ) عبد الله بن أرطبان ، بفتح الهمزة ، البصري ( عن نافع ) مولى ابن عمر ( عن ابن عمر ) بن الخطاب أنه ( قال اللهم ) ولأبي ذر ، قال : قال : اللهم أي : يا الله ( بارك لنا في شامنا وفي يمننا ) كذا بصورة الموقوف على ابن عمر ، من قوله : لم يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام ، ولابد من ذكره كما نبه عليه القابسي ، لأن مثله لا يقال بالرأي . وقد جاء مصرحًا برفعه في رواية أزهر السمان ، ووافقه عليه بعضهم ، كما سيأتي ، إن شاء الله تعالى في الفتن . والمراد : بشامنا